الصَّادق المهدي.. تجلِّيات زعيم طائفي (8)

الدكتور عمر مصطفى شركيان

shurkiano@yahoo.co.uk

الصَّادق المهدي وحقوق الإنسان المفترى عليها

أما فيما يختص بجنوب كردفان (جبال النُّوبة) فلندع الحديث إلى أحد أقطاب حزب الأمة حزب الصَّادق ألم الأمة، وليس أمل الأمة كما كان يردِّد أشياعه. وحسبما جاء في صحيفة “الميدان” – لسان حال الحزب الشُّيوعي السُّوداني – بتأريخ 5 أيار (مايو) 1987م، وفي لقاء جماهيري مفتوح في 23 نيسان (أبريل) من ذات العام بمدينة كادقلي قال الرَّاحل الدكتور عمر نور الدايم أمين أمانات حزب الأمة آنذاك في تصريحات صحافيَّة إنَّ الحكومة سلَّحت القبائل في جنوب دارفور وجنوب كردفان، ومستعدَّة لتسليح أي شخص دون تمييز، لأنَّ الجيش والشرطة لا يستطيعان حماية المواطنين من خطر التمرُّد والعصابات التي تحارب النَّاس في حياتهم وأموالهم. وقال أيضاً إنَّ الحكومة لا تخفي ذلك، وإنَّ المواطنين في أوربا يتلقون التدريب العسكري من عمر 18 سنة. إذ كان ذلك رداً على سؤال طرحه ممثِّل الحزب القومي السُّوداني عن موقف الحكومة من وجود الميليشيات المسلَّحة في جنوب كردفان وعصابات النَّهب المسلَّح في دارفور والشرق وأنيانيا (2) في جنوب السُّودان. إذاً، حكومة الصَّادق المهدي – وبشهادة شاهد من أهله – كانت من وراء تسليح القبائل بالأساس قبل أكثر من ثلاث حقب، وكان يمثل رئيس الوزراء الشرعي للبلاد كما أخذ يردِّد ذلك على الملأ اليوم.

إذاً، لا سبيل إلى الشك في أنَّ حكومة الصَّادق المهدي كانت قد قامت بتسليح القبائل العربيَّة الموجودة في المنطقة في مواجهة الدينكا والنُّوبة باعتبارهم عماد التمرُّد والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان. والقبائل العربيَّة هي الحوازمة والمسيريَّة الزرق والحُمر والرزيقات، ووصفت الحكومة مشروع الدمار الشَّامل هذا بالحزام العربي الذي امتدَّ من أم دافوق بدارفور حتى الكرمك بالنيل الأزرق، وهو مشروع عنصري مؤسَّسي بغيض.(42) وفي هذا الصدد يقول القاضي السَّابق مجدي إبراهيم محجوب: “وقد أثار تسليح القبائل العربيَّة ذعراً وسط أبناء النُّوبة بجبال النُّوبة، وحدثت مذابح قام بها مسلَّحون من قبيلة الحوازمة وأكثرها ترويعاً تلك التي حدثت في قريتي فاما وكاتشا. ثمَّ كان هناك وجود لقوات الأنيانيا (2)، القوات الصديقة للقوات المسلَّحة السُّودانيَّة، والمكوَّنة من أبناء النوير داخل مدينة كادقلي بقيادة الفريق كونق كونق بول، وهي قوات متفلِّتة أمنيَّاً، ولا يحكمها قانون أو أعراف أو تقاليد عسكريَّة.”(43)

هذا، فقد سردنا كتابةً هذه الانتهاكات الجسيمة في حقوق الإنسان في جبال النُّوبة بشيء من التفصيل شديد، وذكرنا مآسيها النفسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والسِّياسيَّة والاقتصاديَّة بشيء من الأسى والحزن أسيف إبَّان حكم الصَّادق المهدي، وذلك في أسفار سابقة أصدرناها باللُّغتين العربيَّة والإنكليزيَّة.(44) وقد وقعت هذه التجاوزات على النُّوبة من قبل قبائل تساكنت معهم، ألا إنَّ الأقربين لطعناتهم أشدَّ وقعاً في الأنفس لأنَّها تأتي دوماً من مسافة قريبة.

وكلنا نعلم ماذا حاق ببعض مواطني جبال النُّوبة حين اعتقلتهم الاستخبارات العسكريَّة في كادقلي العام 1988م، وكاد ينتهي بهم الأمر إلى الإعدام رمياً بالرصاص، كما كان يتم في ذلك الحين من الزمان في جبال النُّوبة ضد أبناء النُّوبة، وتحت دعاوي “الطابور الخامس”. ففي ذلك الحين من الزمان قامت القوات العسكريَّة باعتقال أعضاء من الحزب القومي السُّوداني تحت بلاغ كذوب تقدَّم به ضابطان من الاستخبارات العسكريَّة في المدينة للمحكمة باسم تنظيم سرِّي من أبناء النُّوبة “نحن نوبة كادقلي” الإرهابي. وزعم فاتحا البلاغ أنَّ التنظيم ينوي القيام بتفجيرات واغتيالات للعناصر الشماليَّة التي تعمل في مدينة كادقلي، وتحديداً محافظ المديريَّة وقاضي المديريَّة والقاضي المقيم. وقد أنقذ القاضي المقيم مجدي إبراهيم محجوب أرواح هؤلاء المتَّهمين زوراً وبهتاناً من أبناء النُّوبة بشجاعة قاضٍ جسور أولاً وتطبيق حكم القانون والعدالة ثانياً، وأطلق سراحهم كلهم أجمعين أكتعين بما فيهم النائب البرلماني لدائرة كادقلي الغربيَّة ممثِّل الحزب القومي السُّوداني هارون إدريس كافي. ألا أطال الله عمر القاضي مجدي إبراهيم محجوب، وأصحب مدَّته السَّعادة والسَّلامة، وقرنها بالعافية والسرور، ووصلها بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول؛ شجاعاً كان ثمَّ عادلاً، وإنَّه لم يخش في قول الحق لومة لائم. فبرغم من أنَّ هناك ثمة امتيازات برلمانيَّة، أو حصانة برلمانيَّة، قد وضعها فقهاء القانون الدستوري لحماية ممثلي الشَّعب ضد تغول سلطة الدولة فيما هم يؤدُّون واجباتهم الدستوريَّة نيابة عن الشَّعب الذي انتخبهم، إلا أنَّ تلك الحصانة لم تمنع السلطات الحكوميَّة إبَّان حكومة الصَّادق المهدي في ذلك الحين من الزمان من اعتقالهم والتنكيل بهم. إذ قال بعض المتقدِّمين: إنَّما يعرف الظُّلم من حُكِم به عليه.

على أيَّة حال، فحين أتى أولئك وهؤلاء المنتمون إلى العروبة إلى كردفان الكبرى بما فيها منطقة جبال النُّوبة حديثاً في القرن الثامن عشر استقبلهم النُّوبة وأكرموا مثواهم، وأعزوا وفادتهم، ثمَّ لم يفعلوا بهم ما فعل الأوربيُّون بالغجر (أو الروما أو المرتحلون عند استلهامنا لغة الصواب السياسي). إذاً، ماذا فعل الأوربيُّون بهؤلاء القادمين الجدد، ومن أين أتوا؟ لقد باتت أصول الروما موضع خلاف شديد، وقد قيل إنَّ كلمة (Gypsy) لهي تحريف لكلمة مصري (Egyptian)؛ هكذا ارتأى المنظِّرون الأوائل أن الغجر تحدَّروا من جنود فرعون بعد الفرار الجماعي للإسرائيليين. غير أنَّه في أواخر القرن الثامن عشر توصَّل علماء اللِّسانيات الألمان إلى حقيقة مفادها أنَّ اللُّغة الرومانيَّة – لغة الغجر – ذات صلة باللُّغة السانسكريتيَّة (أي اللغة الهنديَّة)، وتحمل ملامحاً لغويَّة تدوِّن هجرة الغجر من الجزء الشمال-الغربي من الهند، ومن خلال آسيا الوسطى إلى عالم الإغريق (اليونان) البيزنطي. وحديثاً تمَّ إثبات أصلهم الهندي بعد تحليل الحامض النووي.

بيد أنَّ سجلات ظهورهم في إنكلترا كانت قد أُزيح عنها الستار لأوَّل مرة العام 1504م – وهو تأريخ ظهور السُّلطنة الزرقاء في سنار في تأريخ السُّودان السِّياسي – وكان ذلك في الأثناء التي فيها دفع فارس من كورنيش في جنوب إنكلترا 20 قرشاً لهؤلاء المصريين – كما أسمَّوهم – للرَّقص أمامه. ومن ثمَّ انطلقت أسلوب الغجر في لحظات عابرة من الموضة في بلاط الملك هنري الثالث، مع ظهور سيِّدات يرتدين عمائم وفساتين فضفاضة، وشرعن في أخذ حظوظهن من ودَّاعيات (ستات الودع) غجريات. ولكن، وكالعادة أينما تواجد الغجر شرع النَّاس في الادِّعاء بأنَّهم نُهبوا. وما هي إلا لحظات حتى أخذ النَّاس يشجبونهم كلصوص، ويصفونهم بسحرة. وفي العام 1831م نفاهم الملك هنري من ممالكه، وسنَّ تشريعاً بموجبه تُعاقب الودَّاعيات بالجلد، أو قطع الأذنين في حال اقتراف جريمة أخرى.

وفي العام 1563م تمَّ سن تشريع آخر بموجبه تمَّ تعريف المشرَّدين الذين يدعون أنفسهم مصريين بأنَّهم جناة، وينبغي إعدامهم إذا ما استقروا في البلاد لفترة أكثر من شهر، وكان هذا القانون غريباً من نوعه، لأنَّه يجرم الشَّعب على أساس إثنيَّته وليس بجريرة جناه. ومع ذلك، بات هذا القانون عسيراً في تطبيقه. وفي العام 1596م حبس القضاة في مقاطعة يوركشير الإنكليزيَّة 196 من هؤلاء الغجر، وتمَّ إعدام تسعة منهم، وأخذوا يعدون العدَّة لإعدام البقيَّة، ولكن علت أصوات الأطفال بالبكاء المروِّع، مما اضطرَّت السلطات أيما اضطرار إلى إرجاعهم إلى السجن، والعفو عنهم في آخر الأمر. غير أنَّه في عهد الملكة إليزابيث تمَّ إرسال قلة قليلة منهم إلى حبل المشنقة، وباستهلال منتصف القرن الثامن عشر أمسى قانون العام 1563م مباداً. برغم من هذا الهدوء النسبي الذي طرأ على الغجر في إنكلترا، إلا أنَّه كانت هناك ثمة حملات ضارية ضدهم في القارة الأوربيَّة وإسكوتلاندا. ففي أسبانيا كان الأسبان يجلدون نساءهم، ويرسلون رجالهم إلى مطابغ السفن، وهو عمليَّاً بمثابة الحكم بالإعدام. وفي هولندا كانت تتم معاملتهم مثل حيوانات الصيد، وكانت تنظَّم حملات لصيدهم كأنَّهم حمرٌ مستنفرة، ثمَّ كان قتلهم في إسكوتلاندا عملاً مشروعاً يسنده القانون. وما أن يتم القبض عليهم حتى تُغرق نساءهم، ويُعدم رجالهم، مما حدا بالغجر الإسكوتلانديين أن يفرُّوا جنوباً صوب إنكلترا، حيث أخذت إنكلترا تترأَّف بهم أكثر مما كانت.

أيَّاً ما كان من أمر الروما في المملكة المتحدة أو القارة الأوربيَّة، فلم يتعرَّض أولئك الذين حلوا في جبال النُّوبة إلى جزء يسير مما تعرَّض له الروما في أوربا، بل تركوهم يجولون ويصولون بمواشيهم وماعزهم، وأخذوا يرتادون مواضع العشب وموارد المياه، وذلك دون زجر أو نهر. ومع ذلك، أخذ هؤلاء الوافدون الجدد المستعربون يختطفون أطفال النُّوبة لبيعهم في أسواق النخاسة في مدينة الأُبيِّض، ويشتركون في حملات التركيَّة-المصريَّة (1821-1885م) لاسترقاقهم، ولسوف نريكم ذلك في كتاب في سجل أبشع وفي تدوين أوسع.

أما الدور الذي لعبته – ولا تزال تلعبه – هذه الميليشيات القبليَّة فليس بخافٍ على أحد. وليست هناك ثمة حقائق عنها تسر القلب، أو يقبله من كان ذا قلب سليم، أو طلاب التنمية الإنسانيَّة، وبخاصة أنَّ الرغائب الإنسانيَّة التي يبديها أغلب البشر وجل المجتمعات الحضاريَّة في كل الأزمان، تتنافى مع أعمالها من الناحية الأخلاقيَّة والأعراف القانونيَّة. مهما كانت مفاهيمهم المعوجة عن فضائلها المزعومة، ومهما كانت جهودها المرعبة تارة، وواهنة طوراً آخر لتحقيق مرامي الدولة المتمثلة في دحر التمرُّد، فقد رأت حكومة الصَّادق وغيرها من الحكومات المدعاة وطنيَّة في هذه الميليشيات ملمحاً مرضيَّاً وأملاً مأمولاً، وشرعت في تبريرها وإيجاد المعاذير لها ولأفعالها. وعلى صعيد آخر، كان يستوجب على الصَّادق أن يعرف أنَّ ليس هناك مجتمع أي مجتمع يشرع في مشروع ما ضخم كذلك الذي احتمله هؤلاء المتمرِّدون دون أن يكون قد استقوى باعتفاد أنَّ – من بعض وجهات النظر – دوافعه سامية ومصالحه مهدَّدة بأن تمسي في مهب الريح. إنَّ معاناة النَّاس أو طبقة من طبقات المجتمع قد لا تُحتمل، ولكن قبل أن يقدموا على حمل السِّلاح ويخاطروا بحيواتهم لا بد أنَّ ثمة روحاً ما غير أنانيَّة ولا شخصيَّة قد دفعتهم إلى الإقدام على هذا النمط من العمل النِّضالي لانتزاع حقوقهم المسلوبة. ففي الأقطار ذات النسبة العالية من التعليم والأنشطة العقلانيَّة فإنَّك لواجدٌ هذه الدوافع السامية في الاعتزاز بالتقاليد العظيمة، أو في التعاطف العظيم مع المأساة المحيطة بالناس والمهدِّدة لحيواتهم. غير أنَّ في المجتمعات التي تسودها الأميَّة تتم الاستعاضة عنها بالشجاعة العظيمة، وإنَّها لتمنحها شهوة التطرُّف القويَّة. وبما أنَّ هذه الميليشيات العربيَّة المسلَّحة تعلن بأنَّها تحارب “لتكون كلمة الله هي العليا”، وفي سبيل مرضاته، إلا أنَّ قوَّة العاطفة المتزمِّتة أكبر بكثير من تلك التي يثيرها الإيمان الفلسفي بهذه الفكرة الشيطانيَّة. وإنَّها لتمنح أولئك وهؤلاء ثمة شيئاً يعتبرونه من الفروسيَّة، وينبغي خوض المعارك من أجله، وهذا في حد ذاته عذر في خوض الحروب التي نشأت لأسباب مختلفة تماماً. إذ أنَّ التطرُّف ليس بمسبِّب للحرب، ولكنه وسيلة تساعد النَّاس في خوض غمار الحرب بضراوة، وهو الرُّوح التي تجعلهم يلتفون حول الهدف المشترك المستعظم، وبذلك تمسي المشاجرات الشخصيَّة والقبليَّة وسط هذه القبائل المتحالفة غير ذي جدوى.

ثمَّ هناك ثمة إساءات عنصريَّة أو إثنيَّة، فعلى سبيل المثال لا حصريَّاً – الإشارة إلى النُّوبة بالعبيد – في استدعاء لذاكرة التأريخ القديم المأسوي الذي كان النُّوبة ضحايا له من قبل هؤلاء الأعراب. بيد أنَّ الشَّخص ربما قد يقبل إساءة شخصيَّة، ولكن إنَّ أخطر وأبلغ إساءة يمكن أن تلحق بالفرد هي الإساءة إلى طبقته أو مجتمعه. فحين غضب الشيخ محمد شريف نور الدايم شيخ الطريقة السمَّانيَّة في الخرطوم من تلميذه محمد أحمد عبد الله (المهدي لاحقاً)، وتخاصم الاثنان في أمر من أمور العقيدة، وحين أخذ الطالب يختلف – أي يتردَّد – إلى شيخه متودِّداً يطلب العفو والصفح الجميل، عيَّره الشيخ – فيما عيَّره – بسيل من الإساءات؛ فعلى سبيل المثال نبذه بالقول: “انكشح أيَّها الدنقلاوي التَّعيس!”(45) كان هذا السباب قد وقع في نفس الطالب وقع السهم المسموم في القلب. فبرغم من أنَّ مواطني مديريَّة دنقلا كانوا يتعرَّضون لبعض السخريَّة هنا وهناك في وسط السُّودان، إلا أنَّه بات جليَّاً أنَّ محمد أحمد عبد الله قد استاء من هذه الإساءة البالغة بالإشارة إلى مسقط رأسه وقبيله بشيء من الاستياء شديد، وذلك لأنَّ الاضطهاد بسبب الانتماء الطبقي خطير وعمل مؤثِّر. إذ قد يحتمل الشَّخص الكلمة المسيئة الموجَّهة له – كما ذكرنا أنفاً، غير أنَّه سوف يتلظَّى غضباً إذا تعرَّضت أمته، أو رتبته أو مهنته إلى الإساءة. إزاء ذلك هجر محمد أحمد عبد الله شيخه محمد شريف نور الدايم هجراً مليَّاً، وانتقل إلى شيخ آخر هو القرشي ود الزين في منطقة المسلميَّة بالجزيرة الذي احتفى بقدومه واحتضنه لكي يغيظ شيخه السَّابق، وكان بين الشيخين تنافس إسلامي في منهجيهما.

وهل أذكِّركم بقضيَّة الحاج رحَّال تية، الذي تعرَّض إلى إساءة شخصيَّة، وحين تعدَّت الإساءة وشملت عموم أهل النَّوية، من قبل المدعو عثمان الزين آدم عضو الحركة الإسلاميَّة في سنار في تلكم القضيَّة التي ذاع صيتها، والتي رأى النُّوبة بأنَّها تمسَّهم كلهم أجمعين أكتعين، تنادوا لنصرة تية من جميع أرجاء السُّودان، حتى أتوا من كل فج عميق صوب سنار لحضور المحكمة. وقد قُدِّم المتَّهم عثمان الزين آدم للمحاكمة الجنائيَّة في البلاغ رقم 883/2018م تحت المادة (144) ق. ج، وجاء نص القرار الذي أصدره القاضي أشرف عبد المجيد محمد قاضي محكمة الجنايات الأولى في سنار بالآتي: السجن لمدة ستة أشهر اعتباراً من تأريخ دخوله الحبس في 6 حزيران (يونيو) 2018م لمخالفة المادة 64 جنائي سنة 1991م تعديل سنة 2016م؛ الغرامة مبلغ خمسين ألف جنيه سوداني وفي حال الفشل في السداد السجن لمدة ستة أشهر تسري بالتتابع؛ لخلو سوابقه توقف تنفيذ عقوبة السجن في البند (1) وفقاً لنص المادة 170 إجراءات جنائيَّة؛ يتعهَّد المدان بعدم الإساءة مستقبلاً. وبما أنَّ الحكم الذي صدر في الفاتح من آب (أغسطس) 2018م قد جاء مخيباً لآمال الضحية والنُّوبة كلهم أجمعين أبتعين ومجافياً للعدالة، إلا أنَّ النَّصر المعنوي والتضامن الاجتماعي لأهل النوبة في داخل الوطن وخارجه كان لهما من الأثر العظيم في سبيل نضالهم في القضايا الاجتماعيَّة والثقافيَّة التي يتعرَّضون لها بين الحين والآخر.

مهما يكن من شأن، فقد أدركت أغلب المجتمعات في العالم وتوافقت على أنَّ التهجُّم على شخص أي شخص لفظيَّاً كان أم جسديَّاً بسبب عرقه أو إثنيَّته تجاوز للأخلاق والأعراف والقوانين، ولا ينبغي أن يستثنى من ذلك التهجُّم بأساليب العنصريَّة الماكرة أو الخبيثة (Subtle racism)، وهذا النمط من العنصريَّة هو الأخطر لأنَّه يفعل فعلة اللَّهيب المشتعل في الأحشاء، حيث من الصَّعب مواجهتها.

على أيٍّة حال، فقد قرأنا الحوارات الصحافيَّة التي أجرتها الصحافيَّة عبير المجمَّر (سويكت) مع الصَّادق المهدي في فندق هوليداي بباريس ونشرت على نطاق واسع في الصحف الإلكترونيَّة ووسائط التواصل الاجتماعي. ففي هذه اللقاءات أسكب المهدي سيلاً من الأكاذيب والمغالطات والتناقضات. فعلى سبيل المثال لا الحصر قال الصَّادق: “كان يوسف كوَّة آنذاك يتبع سياسة الهجوم على القبائل العربيَّة في منطقة جبال النُّوبة والنيل الأزرق بالتَّحديد، والتعدِّي على مناطق وقرى القبائل العربيَّة، لذلك قرَّرت حكومة الفريق عبد الرحمن محمد الحسن سوار الدهب تسليح العمد حتى يدافعوا عن قراهم، وليس أبداً من أجل مهاجمة، أو تحقيق أي عمل كعمل الجنجويد على سبيل المثال.”(46) ويضيف الصَّادق متسائلاً في موضع أخر من الحوارات: “السيِّد عبد العزيز الحلو حتى يومنا هذا ما معروف ماذا يريد بالضَّبط! (…) لأنَّ ما عنده أي إمكانيَّة يمكن أن يعالج بها مشاكل السُّودان وحده، لا بالقوَّة ولا بأي وسيلة أخرى (…)، ونأمل أنَّه عندما يخرج من عزلته الحاليَّة أن يبحث معنا ماذا يريد؟ (…) كما نطالبه أيضاً أن يمتنع عن ممارسة أي نوع من المواجهات المسلَّحة بينه وبين زملائه، لأنَّ أي مواجهات مسلَّحة ستصب في مصلحة النِّظام وعليه ينبغي لعبد العزيز الحلو أن يتجنَّب هذا النوع من المواجهات المسلَّحة (…).”(47)

أيَّاً كان من أكاذيب الصَّادق المهدي فالمهم في الأمر أنَّ التكذيب على الميِّت حرام، لأنَّ الميِّت غير حي حتى يدافع عن نفسه ويرد على الاتِّهامات الموجَّهة ضده. ومع ذلك، كيف يعقل أن يقوم القائد الشهيد يوسف كوَّة مكي بالهجوم على “القبائل العربيَّة في منطقة النيل الأزرق بالتَّحديد”، وهو الذي كان قائداً للحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان في إقليم جبال النُّوبة! أما استفهاماته عن القائد عبد العزيز آدم الحلو، فليعلم الصَّادق المهدي أنَّ الحلو رئيس الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، وقد جاء منتخباً مفوَّضاً من قبل جماهير وجيش الحركة الشعبيَّة في منطقتي جبال النُّوبة والنيل الأزرق، بل نال تفويض أعضاء الحركة الشعبيَّة في دول الجوار الإقليمي والشرق الأوسط، وأقطار ما وراء البحار.

وحين يقرِّر الحلو ينطلق من منيفستو الحركة الشعبيِّة الصادر في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2017م، ودستور الحركة الشعبيَّة المنشور في 10 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 2017م، والمؤسَّسات المدنيَّة في المنطقتين بما فيها منظَّمات المجتمع المدني وتنظيمات المرأة والشباب وهلمجرَّاً. فالحركة الشعبيَّة الآن تدير دولة ذات إقليمين في جبال النُّوبة والنيل الأزرق، ولها سلطاتها التنفيذيَّة والقضائيَّة والتشريعيَّة، وجيشها وشرطتها وعلمها. عليه، فإذا لم تلبِّ الدولة السُّودانيَّة استحقاقات أهالي المنطقتين العادلة بما فيها التوافق على سودان ديمقراطي علماني مؤسَّس على التعدُّديَّة الثقافيَّة والدِّينيَّة والأثنيَّة، فإنَّ حق تقرير المصير الوارد في معاهدة فيرساي في فرنسا العام 1919م سيظل على رأس القائمة المطلبيَّة، ولسوف لن يتنازلوا عن هذا الحق الإنساني والعالمي قيد أنملة.

إذاً، إن القائد الحلو ليس بمعزل عن الشَّعب في السُّودان، إلا إذا اعتبر الصَّادق المهدي جبال النُّوبة والنيل الأزرق ليستا داخل السُّودان، ثمَّ لم يقل الحلو إنَّه ليريد حل مشكلات السُّودان وحده دون أي شريك وطني آخر. إذاً، من أين جاء الصَّادق بهذه الادِّعاءات الاستفهاميَّة المناقضة للحقائق! ثمَّ لم يقم الحلو بأي هجوم عسكري مزعوم على من يصفهم الصَّادق بزملائه ، بل هم زملاء الصَّادق في نادي نداء السُّودان. إذ أنَّ زملاء الصَّادق هم من يرسلون حفنة من أشياعهم لترويع المواطنين في النيل الأزرق، ويقوم الجيش الشَّعبي هناك في سبيل الدِّفاع عن المواطنين العزل بصد تلك الإغارات التي تشنها العصبة بين الحين والآخر. عليه، فليعلم الصَّادق أنَّ القائد الحلو يعبِّر عن مثاليَّة المحارب ومُثل أهل السُّودان من الشعوب الأصلاء؛ أي المواطن-المقاتل الذي يطبِّق الأعراف العسكريَّة والحِكم القياديَّة التي تعلَّمها في المعارك التي خاضها وهي كثر فها هو ينفِّذها في إدارة دولاب الحكم الرشيد لرفاهيَّة النَّاس، وذلك في عهد بات فيه الشرف موارباً بغيابه، والأخلاق ملوَّثة بما فيها من شوائب أفرزها النِّظام “الإنقاذي” في الخرطوم، النِّظام الممتد من حكومة الصَّادق المهدي.

بيد أنَّ الصَّادق ينظر إلى جبال النُّوبة بمثابة الجنوب الجديد، ويقول بأنَّه لن يسمح للقائد عبد العزيز آدم الحلو بأنَّ يجعل من جبال النُّوبة جنوباً جديداً. فيا تُرى أنظر إلى لغته التهديديَّة والاستكباريَّة، وكأنَّه الآمر النَّاهي. فمن ذا يكون هو حتى يسمح أو لا يسمح؟ فإذا كان الصَّادق في المعارضة المزعومة المأزومة، والتي على رأسها الصَّادق باسم نداء السُّودان وهو يصرِّح هكذا، فما باله لئن هو تربَّع على العرش في الخرطوم، فإنَّه بلا شك لسوف يواصل ما بدأه في جبال النٌّوبة من تسليحه ودعمه للميليشيات العربيَّة، تكميلاً لما فعلته جماعة “الإنقاذ” الإسلامويَّة في المنطقة.

بعد هذا الذي سردناه إليكم بشيء من السَّرد مختصر، وبعد كل هذه المآسي التي لقي فيها الضحايا من عسف النِّظام المهدوي وأجهزته الأمنيَّة والتنفيذيَّة، ثمَّ كان هؤلاء الضحايا من سكان الرِّيف السُّوداني في الأقاليم المهمَّشة، أو التي أصابها شيء من التَّهميش والاضطهاد شديد من قبل حكومات السُّودان المدعاة وطنيَّة – ديمقراطيَّة كانت أم عسكريَّة – بما فيها حكومة الصَّادق المهدي ذاته. ومن بعدئذٍ هل يحق أو يُعقل للصَّادق المهدي أن يتحدَّث أو يحدِّثنا عن حقوق الإنسان في السُّودان، وبخاصة في مناطق النِّزاع المسلَّح في دارفور والنيل الأزرق وجبال النُّوبة، وهو الذي استمرَّ فيما بدأه الأولون من سلاطين الخرطوم! أما إذا كان الصَّادق ينطلق من محور مقارنة التجاوزات الإنسانيَّة في حقوق السُّودانيين بين عهده وبين عهد “الإنقاذ” فهذا القياس مردود أصلاً وفرعاً، وذلك لسببين: إنَّ النفس الإنسايَّة لغالية ولا تقاس بالأرقام، وقتل نفس واحدة النَّفس التي حرَّم اله قتلها إلا بالحق كقتل نفوس كثيرة؛ ثمَّ لو قُدِّر لحكومة الصَّادق أن تستمر لأكثر مما قضاه في السُّلطة لكانت التجاوزات قد زادت، وذلك لأنَّ الذي يجمع بين الصَّادق المهدي وحسن الترابي أكبر وأكثر في الأيديولوجيَّة الإسلامويَّة، والتماهي بالعروبة، والمصاهرة الأسريَّة، ثمَّ في نظرة المركز المتسلِّط إلى تخوم السُّودان المسحوقة.

وللكلام بقيَّة،،،

[source: http://www.sudantribune.net/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%91%D9%8E%D8%A7%D8%AF%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%AA%D8%AC%D9%84%D9%91%D9%90%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85-%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A-8]