Press "Enter" to skip to content

ثورة ديسمبر ليست لتغيير نظام حاكم فحسب!

مبارك أردول

الشواهد تخبرنا إنها ثورة أبعد من أن تكون موجهة ضد نظام الانقاذ فحسب، بل إنها ثورة ضد كل المفاهيم والممارسات والسياسات وحتى التابوهات القديمة المتراكمة.

ثورة تتجاوز تغيير النظام الحاكم الذي يتقمص كل اشكال القديم، و في كل مناحي حياته و ممارساته، وبما إن نظام الحكم يعتبر واحد من أجندتها، و أيضاً التجربة البشرية أثبتت أن مفتاح التغيير يكون بيد الجهات المشرعة والحاكمة، ولكن المبادئ والأحكام التي يشرعون على أساسها ويحكمون بها تكون مستمدة من القيم الجديدة والمفاهيم الحرة التي اكتسبها المجتمع وجاءت من الانقلاب والرفض والإشمئزاز من كل أشكال القديم، والمتطلع الي الجديد المجيد.

لقد تراكم كل القديم بقبحه الآن، من انعدم العدالة الاجتماعية والفساد بمختلف أشكاله وتكدس الأموال والثروات في أيدي حفنة مرتبطة بالسلطة واستغلال الدين في السياسة وامتطائه كمزية للكسب، وإطالة بقاء النظام دون تبادل للحكم، وانتشار البطالة والضيق الاقتصادي وإطالة أمد الحرب، وأثارها المتعددة من نزوح وتشريد وفوق ذلك انعدام الأمل بغد أشرق وأرحب، جعل كل ظروف الثورة مواتية لتندلع اليوم وتكون في وجدان الجميع وتتسع كل صباح.

لقد قطعت ثورة ديسمبر شوطاً بعيداً حتى وصلت مارس وماضية الي ابريل وستستمر معنا الي ما لا نهاية يكون الجماهير حراساً لمكتسباتها وأهدافها، حتى تصبح قيم تورث للأجيال، جيل بعد جيل، وتظل تشريعات ونمط حياة لا تقبل سوى التطوير.

فالثورة في كل مناحي الحياة الآن، فلا الحرية التي انتزعت بالتضحيات يمكن ان ترتد الي قهر، ولا حقوق المرأة التي اقتطعت يمكن ان تتقهقر الي الاستبداد، ولا استغلال الدين ولا الصمت او القهر سيظل مخيفا بعد اليوم.

من يعترضونها ويحاولون إسكاتها بالتشريعات والقرارات والاشاعات والاعمال القمعية انهم مجرد أناس ماضويين يريدون إرجاع ساعة الزمان الي الوراء وعجلة الأحداث الي الخلف، ولكن هيهات، فالزمان لا يتوقف ولا التاريخ سيعاد، بل هم مجبرون إما الذهاب مع أمواجها أو الغرق سباحة ضد تيارها.

لم يتبقى لثورة ديسمبر شي سوى نظام الحكم القائم الفاقد للشرعية والمقبولية، ولو كانت الثورة قد غيرت نظام الحكم في مبتدئ ايامها، فما كانت لتحقق مكاسبها العميقة التي نشاهدها اليوم في بقية النواحي الحياتية، والوعي والوحدة الوطنية التي أنجزتها، والثورات السريعة مرجحٌ سرقتها او تحييدها من هدفها او ستكون إنتكاستها متوقعة.

اما اليوم فإنها قد تمفصلت في كل مشارب الحياة، انها محروسة بوعي وتضحيات المواطنين القادرين على حمايتها حالياً ومستقبلاً.

هذه الثورة يجب ان تتسودن فيها كل المصطلحات السياسية، وتكون معبرة عن تجربتنا وواقعنا، فالديمقراطية والعلمانية والدكتاتورية والشمولية مصطلحات جاءت في ومن ظروف تاريخية مشابهة للتي نعيشها اليوم، وثورة السودانيين يجب ألّا تستلف مصطلحات المجتمعات الأوروبية، ولا يجب أن تكون أسيرة داخل توابيتها، يمكننا أن نتمسك بالمعاني والمحتويات دون الحاجة الي مصطلحاتهم، فها نحن قد ثرنا ضد كل القديم.

الثورة تفرض واجبات سياسية وأنشطة ميدانية وكذلك واجبات فكرية للمثقفين الثوار، فان المثقفين الثوار أمامهم واجب التنظير لهذه الثورة والعمل على وضعها علامة تاريخية ومفاهيمية فارقة في حياة البشرية، فلايمكن لثورة بهذه العظمة والتضحيات ان تنتهي بتغيير سياسي في رأس الحكم أو نظامه فحسب، ولا يمكن أن نستلف مصطلحات عصر التنوير في أوربا التي ما عادت تشكل نمطا نريد تكراره، فنحن في حاجة الي الاستقلال المفاهيمي والمصطلحي وبل تعمد موقع القيادة.

Mission News Theme by Compete Themes.